«مدبولي»:أطمئن الجميع بتوافر النقد الأجنبي اللازم لتلبية كافة احتياجات الدولة خلال الفترة الراهنة والمقبلة.. تفاصيل
عقد اليوم الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مُؤتمراً صحفياً، بمقر الحكومة بالعاصمة الجديدة، بحضور كل من أحمد كجوك، وزير المالية، والدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، والدكتور بدر عبدالعاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، والمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، وضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، وذلك بهدف إيضاح الحقائق حول حزمة الإجراءات الاستثنائية “المؤقتة” التي اتخذتها الحكومة بهدف تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع التداعيات المترتبة على التطورات ذات الصلة بالتصعيد العسكري في المنطقة.
وفي بداية المؤتمر، رحب الدكتور مصطفى مدبولي بالحضور، مؤكداً أهمية هذا اللقاء الذي يُعد الثاني منذ اندلاع الأزمات الإقليمية الراهنة التي تُلقي بظلالها على المنطقة، قائلاً: “أعرب عن اعتزازي بمشاركة زملائي الوزراء في هذا المؤتمر، لتقديم عرض تفصيلي يشمل الملفات النوعية لكل حقيبة وزارية، وتوضيح مدى تأثرها بالتطورات المتلاحقة جراء هذه الحرب”.
واستهل رئيس الوزراء حديثه بتناول الأبعاد السياسية للأزمة، قائلاً: كما أشرت في حديثي السابق، كانت الدولة المصرية حريصة منذ اللحظة الأولى على بذل كافة المساعي الممكنة — والتي سيتناولها وزير الخارجية بالتفصيل خلال هذا المؤتمر — للحيلولة دون اندلاع هذا الصراع، إدراكاً منا لتبعاته الوخيمة على استقرار المنطقة؛ ورغم جهودنا الحثيثة بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، إلا أن الأوضاع آلت إلى ما هي عليه الآن. وفي هذا السياق، أجدد تأكيد إدانة مصر الكاملة والمطلقة لاستهداف الدول العربية الشقيقة ومحاولات إقحامها في دائرة الصراع، مؤكداً دعمنا التام لأشقائنا في كافة الدول التي تعرضت لاعتداءات غير مبررة، ووقوف مصر الثابت إلى جانبهم في مواجهة هذه التحديات.
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى المتابعة الدقيقة والمستمرة للموقف الإقليمي، قائلاً: «كما ذكرتُ في المؤتمر الصحفي السابق، فإننا نراقب الموقف عن كثب وعلى مدار الساعة؛ حيث كانت لدينا سيناريوهات استباقية تحسباً لاندلاع هذه الحرب، التي لا يمكن لأحد التكهن بمدى اتساع نطاقها أو تداعياتها أو أمدها الزمني، وهو ما يمثل جوهر التعقيدات الراهنة. وبناءً على ذلك، وفور وقوع هذه الأحداث، تم تشكيل لجنة مركزية لإدارة الأزمة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، لضمان تقدير الموقف لحظياً، وبالفعل عُقد اجتماعان متتاليان خلال اليومين الماضيين لمراجعة الموقف بكافة أبعاده.
وأوضح رئيس الوزراء أن تداعيات هذه الحرب الشديدة أدت إلى اضطراب شديد جداً في سلاسل الإمداد، خاصة في قطاع الطاقة وكل ما يرتبط بها من إمدادات وسلاسل تجارية، مما انعكس بتأثيراته على العديد من السلع والخدمات، وشهدنا معكم قفزات في الأرقام، قائلاً: أذكركم في المؤتمر السابق عندما تم سؤالي: هل من الوارد أن تتخذ الحكومة إجراءات استثنائية بسبب الحرب؟ حينها كان سعر برميل البترول قد قفز من 69 دولاراً إلى 84 دولاراً للبرميل، ولكن بعدها بيومين ارتفع السعر إلى 93 دولاراً، ثم تحرك السعر إلى 120 دولاراً للبرميل، قبل أن تبدأ الأسواق في أن تهدأ قليلاً بناءً على تصريحات فخامة الرئيس “دونالد ترامب” الرئيس الأمريكي؛ ولكن اليوم، وقبل بداية هذا المؤتمر الصحفي، السعر في حدود من 92 إلى 93 دولاراً للبرميل، مقارنة بسعر 69 دولاراً قبل اندلاع الحرب، مما تسبب في وجود فجوة كبيرة جداً.
كما تطرق رئيس الوزراء إلى التساؤل المطروح في الشارع المصري حول مدى استعداد الدولة والحكومة لتبعات هذه الحرب، قائلاً: «نعم، كنا على أتم الاستعداد لمواجهتها؛ فالدولة تمتلك مخزوناً استراتيجياً كبيراً داخل الأراضي المصرية، ولكن هناك تعاقدات مستقبلية لتوريد الغاز والوقود — كشأن كافة دول العالم — يتم حساب معادلة سعرية لها بناءً على السعر اليومي الذي يمثل جزءاً أصيلاً من عملية التسعير”.
وأكد الدكتور مصطفى مدبولي أن تقلبات السعر اليومي باتت تؤثر بشكل كبير على التسعير النهائي، وهو ما يمثل القضية الكبرى التي واجهتها الحكومة؛ نظراً لوجود محدد قوي واستثنائي يوضح أن الزيادة في أسعار الوقود جاءت غير مسبوقة وخلال فترة زمنية وجيزة، مما ترتب عليه اضطرابات وصعوبة في التنبؤ بما قد تسفر عنه الفترة المقبلة.
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن اتخاذ القرار كان ضرورة حتمية لضمان توافر الإمدادات اللازمة لتلبية احتياجات قطاعات الكهرباء والطاقة والصناعة، فضلاً عن الاستهلاك المنزلي، مع الحرص التام على تلافي أي تأثيرات سلبية على إمدادات الطاقة والغاز، بما يحفظ استقرار الاقتصاد المصري؛ مضيفاً أن مطالب أصحاب المصانع والمستثمرين تركزت في ضرورة استمرار دوران عجلة الإنتاج وعدم توقفها، انطلاقاً من أن أي توقف سيؤدي إلى أضرار جسيمة تعيق مسيرة التعافي الاقتصادي واستعادة الدولة لمكانتها الاقتصادية المنشودة.
وأوضح رئيس الوزراء أن الدولة المصرية كانت أمام خيارين للمفاضلة بينهما: الأول، يتمثل في الاكتفاء بالتحليل النظري للمستجدات الإقليمية وإدراك خطورتها دون القدرة على حسم مداها الزمني، مع محاولة الإبقاء على الأسعار دون تغيير، وهو مسار كان سيُكبد الخزانة العامة للدولة خسائر فادحة جراء تحملها كامل التكاليف بمفردها.
أما الخيار الثاني —وهو الذي انحازت إليه الحكومة— فكان اتخاذ إجراءات استباقية ومدروسة تضمن استمرارية الدورة الاقتصادية والعملية الإنتاجية، مع التزام الدولة بتحمل الجانب الأكبر من تكاليف الزيادات الناتجة عن الارتفاع العالمي في أسعار الوقود، وتخفيف العبء عن كاهل المواطن والقطاعات الإنتاجية بقدر الإمكان.
وجاء هذا التوضيح رداً على التساؤلات المثارة حول إلقاء كامل أعباء زيادة تكلفة الوقود على عاتق المواطن، حيث فند رئيس الوزراء هذا الطرح مؤكداً عدم صحته؛ مستشهداً بما تم إعلانه سابقاً عقب تحريك أسعار الوقود في أكتوبر الماضي، حين أعربت الدولة عن أملها في تثبيت الأسعار لمدة عام.
وأوضح أن الموازنة العامة كانت تستند حينها إلى توقعات تقابلها حقائق سعرية، حيث كان سعر برميل النفط يبلغ 61.3 دولار، مقارنة بسعره الحالي الذي استقر عند 93 دولاراً للبرميل بعد أن كان قد قفز إلى 120 دولاراً؛ وهو ما يمثل زيادة فعلية تُقدر بنحو 50% مقارنة بالسعر الذي وضعت على أساسه التقديرات السابقة.
وأشار رئيس الوزراء إلى أننا نشهد حالياً ظرفاً استثنائياً يعاني من تداعياته مختلف دول العالم، والتي اتخذت بدورها تدابير متباينة للتعامل مع هذه الآثار؛ مؤكداً أنه بمجرد انتهاء هذا الظرف الاستثنائي وانحسار تداعياته، ستتم مراجعة كافة الإجراءات والقرارات الاستثنائية المتخذة والمدى الزمني لتطبيقها، مع الأخذ في الاعتبار أن انحسار آثار مثل هذه الظروف قد يستغرق بعض الوقت حتى بعد انتهائها رسمياً.
ونوه رئيس الوزراء إلى أن الدولة المصرية اتخذت حزمة من الإجراءات السريعة والعاجلة لترشيد الإنفاق العام في عدد من بنود المصروفات؛ حيث صدرت قرارات فعلية في هذا الإطار شملت مختلف جهات الدولة، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، مع منح الأولوية القصوى لبنود أخرى تخدم الأهداف الاستراتيجية وتدعم المواطن في ظل هذه الظروف.
وأضاف رئيس الوزراء أنه بالتوازي مع ترشيد الإنفاق في بنود المصروفات، سيتم العمل كذلك على ترشيد استخدام الطاقة؛ وذلك عبر توجيهات مستمرة في هذا الصدد جرى الإعلان عنها خلال اجتماع مجلس المحافظين الأخير، بما يضمن تنفيذ حزمة من الإجراءات الكفيلة بتخفيف الضغوط عن كاهل الموازنة العامة للدولة خلال الفترة المقبلة.
وأكد رئيس الوزراء وعي الدولة الكامل بطبيعة الإجراءات الاستثنائية التي تم إقرارها، ومدى تأثيرها على معدلات التضخم والأسعار، وانعكاساتها على المواطنين؛ مشدداً على حرص الحكومة على اتخاذ حزمة من تدابير الحماية الاجتماعية لمختلف الفئات، ولاسيما الأقل دخلاً والأكثر تأثراً بتلك القرارات.
وفي هذا الصدد، نوه الدكتور مصطفى مدبولي إلى الحزمة الاجتماعية التي أعلن عنها مؤخراً، والتي تضمنت إتاحة مبلغ 400 جنيه يستفيد منه نحو 15 مليون أسرة من الأسر الأكثر احتياجاً، سواء من المستفيدين من منظومة السلع التموينية أو برنامج «تكافل وكرامة»؛ موضحاً أن هذا الدعم كان مقرراً خلال شهري رمضان وعيد الفطر المبارك، إلا أنه تم التوافق على مد صرف هذا المبلغ لشهرين إضافيين حتى عيد الأضحى المبارك لهذه الأسر.
وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي في سياق حديثه قائلاً: «سيتم عرض الموازنة العامة للدولة على فخامة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية خلال الأيام القليلة القادمة، والتي ستتضمن الإعلان عن زيادات في الأجور؛ وبالتوازي مع ذلك، هناك تشديد تام في الرقابة على الأسواق، وهو ملف سأترك المجال للسيد وزير التموين والتجارة الداخلية للتحدث في تفاصيله؛ فقد صدرت توجيهات حاسمة للوزراء المعنيين، وبدأت الحكومة بالفعل في اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتوجيهات فخامة السيد رئيس الجمهورية، بأنه في حال ثبوت أية محاولات للتلاعب، أو احتكار السلع، أو إخفائها، ستتخذ الدولة كافة الإجراءات القانونية الرادعة بما فيها الإحالة إلى النيابة العسكرية؛ فالدولة لن تسمح بأي شكل من أشكال التلاعب أو الاستغلال أو تحقيق أرباح غير مشروعة، لاسيما في ظل هذه الظروف والأزمة الاستثنائية الراهنة.
وأضاف: الجانب الآخر الذي أود التأكيد عليه هو وجود تنسيق دائم وعلى مدار اليوم مع السيد محافظ البنك المركزي المصري؛ لمراجعة السياسة النقدية؛ حيث نستهدف ترسيخ المرونة في سعر الصرف، وخفض معدلات التضخم. ورغم الاحتمالات القائمة لتأثر بعض القرارات المتخذة في هذه المرحلة بهذا الظرف الاستثنائي المؤقت، إلا أن الحكومة تواصل جهودها التنسيقية مع البنك المركزي على قدم وساق لضمان الاستقرار النقدي.
وقال رئيس الوزراء: وفي هذا الصدد، أطمئن الجميع بتوافر النقد الأجنبي اللازم لتلبية كافة احتياجات الدولة خلال الفترة الراهنة والمقبلة؛ فنحن نواجه هذه الأزمة من موقف أقوى بكثير مقارنة بأزمات سابقة تعرضت لها الدولة. ويظل هدفنا الأسمى هو استمرار منظومة الاقتصاد بكامل طاقتها وعجلة دورانها؛ بما يضمن تحقيق معدلات النمو المستهدفة للاقتصاد المصري.
وفي سياق حديثه، أكد رئيس مجلس الوزراء أن الدولة تعي تماماً حجم الضغوط التي تواجهها اليوم، في ظل الظروف الراهنة التي يشهدها العالم أجمع؛ مناشدا المواطن المصري أن يلتمس العذر للحكومة، قائلاً: قد نضطر في بعض الأحيان لاتخاذ إجراءات لم تكن لدينا نية مسبقة لاتخاذها، ولكن تُجبرنا الظروف والأوضاع الراهنة على ذلك؛ حيث لم يكن أمامنا بديل آخر؛ لذا نتحمل جزءاً من هذا العبء ويتحمل معنا المواطن جزءاً آخر، ونأمل أن تنتهي هذه الظروف في أقرب وقت، لنعود ونستكمل المسيرة التي كنا ننتهجها والتي كان لها نتائج إيجابية.
وأضاف الدكتور مصطفى مدبولي: كنا في مسار متميز للغاية، وكانت كافة القطاعات تشهد نمواً بصورة جيدة، فضلاً عن توقعات المؤسسات الدولية التي كانت تشير إلى أن الدولة المصرية تشهد طفرة ملحوظة؛ وكلنا أمل في أن تنتهي هذه الظروف الاستثنائية بأقل الأضرار الممكنة على الاقتصاد المصري.
واختتم الدكتور مصطفى مدبولي حديثه بالتأكيد على أن الحكومة تدرك وتعي جيداً حجم الضغوط الملقاة على عاتق الجميع، مؤكداً بذل أقصى الجهود لتجاوز هذه الأزمة غير المسبوقة بأقل الخسائر الممكنة على الدولة والمواطنين
تعقيب ختامي عقب مداخلات السادة الوزراء، وجه رئيس الوزراء عدة رسائل جوهرية للمصريين قائلاً: رغم المشهد الإقليمي شديد التعقيد، إلا أننا ندعو الله عز وجل أن يديم نعمة الأمن والاستقرار والسلام على وطننا الغالي، فهي نعمة عظيمة نلمس قيمتها جميعاً في ظل الظروف المحيطة؛ وأدعو كل المصريين للاستمرار في الدعاء بحفظ مصر، في ظل قيادة سياسية حكيمة نأت بالبلاد عن الانخراط في هذه الصراعات، ونحن بفضل الله مستمرون
وأضاف رئيس الوزراء: «أود التأكيد أيضاً على استمرار الدولة في مسيرة الإصلاحات الاقتصادية دون توقف، سعياً لتحقيق الطفرات التنموية التي شهدناها قبل اندلاع هذه الحرب؛ وهو ما يمنحنا ثقة ويقيناً بالله -عز وجل-؛ فمثلما استطعنا معا العبور من الأزمات السابقة —والتي استعرضها السيد وزير الدولة للإعلام أمامكم— فإنني أتذكر معكم قول المولى -سبحانه وتعالى-: “وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”؛ وهنا أذكركم بأننا نجحنا في تجاوز تحديات جسيمة، ولدينا يقين مطلق بأننا سنتخطى الأزمة الراهنة بسلام، لتستمر الدولة في مسار التنمية الذي ننشده جميعاً لرفعة وطننا.





